ما جاء في وفاء النّساء
تعاهدا ألا يتزوّجا
حكى الأصمعي، عن رجلٍ من بني ضبّة قال: ضلّت لي إبلٌ فخرجت في طلبها حتّى أتيت بلاد بني سليم، فلمّا كنت في بعض تخومها، إذا جاريةٌ غشى بصري إشراق وجهها، فقالت: ما بغيتك فإنّي أراك مهموماً؟ قلت: إبلٌ ضلّت لي، فأنا في طلبها. قالت: فتحب أن أرشدك إلى من هي عنده؟ قلت: نعم. قالت: الذي أعطاكهنّ هو الذي أخذهنّ فإن
شاء ردّهنّ، فاسأله من طريق اليقين لا من طريق الإختيار. فأعجبني ما رأيت من جمالها وحسن منطقها، فقلت لها: هل لك من بعلٍ؟ قالت: كان والله فدعي فأجاب إلى ما منه خلق، ونعم البعل كان. قلت لها: فهل لك في بعلٍ لا تذمّ خلائقه، ولا تخشى بوائقه؟ فأطرقت ساعةً ثمّ رفعت رأسها وعيناها تذرفان دموعاً فأنشأت تقول:
كنّا كغصنين من بانٍ غذاؤهما ماء الجداول في روضات جنّات
فاجتثّ صاحبها من جنب صاحبه دهرٌ يكرّ بفرحاتٍ وترحات
وكان عاهدني إن خانني زمنٌ أن لا يضاجع أنثى بعد موتات
وكنت عاهدته أيضاً، فعاجله ريب المنون قريباً مذ سنينات
فاصرف عتابك عمّن ليس يصرفه عن الوفاء له خلب التّحيّات
قال: فانصرفت وتركتها.
على العهد باقيةٌ
قال الأصمعي: قال لي الرّشيد: امض إلى بادية البصرة فخذ من تحف كلامهم وطرف حديثهم. فانحدرت، فنزلت على صديقٍ لي بالبصرة، ثمّ بكّرت أنا وهو على المقابر، فلمّا صرت إليها إذا بجاريةٍ نادى إلينا ريح عطرها قبل الدّنوّ منها، عليها ثيابٌ مصبغاتٌ وحلى، وهي تبكي أحرّ بكاء. فقلت: يا جارية ما شأنك؟ فأنشأت تقول:
فإن تسألاني فيم حزني؟ فإنّني رهينة هذا القبر يا فتيان
أهابك إجلالاً، وإن كنت في الثّرى مخافة يومٍ أن يسؤك مكاني
وإنّي لأستحييك، والتّرب بيننا، كما كنت أستحييك حين تراني
فقلنا لهاك ما رأينا أكثر من التّفاوت بين زيّك وحزنك فأخبري بشأنك؟ فأنشأت تقول:
يا صاحب القبر، يا من كان يؤنسني حيّاً، ويكثر في الدّنيا مواساتي
أزور قبرك في حليٍّ وفي حللٍ كأنّني لست من أهل المصيبات؛
فمن رآني، رأى عبراً مفجعةً مشهورة الزّيّ تبكي بين أمواتي
فقلنا لها وما الرّجل منك: قالت: بعلي، وكان يجب أن يراني في مثل هذا الزّيّ، فآليت على نفسي أن لا أغشى قبره إلاّّ في مثل هذا الزّيّ لأنّه كان يحبّه أيّام حياته، وأنكرتماه أنتما عليّ.
قال الأصمعي: فسألتها عن خبرها ومنزلها. وأتيت الرّشيد فحدّثته بما سمعت ورأيت، حتّى حدّثته حديث الجّارية.
























